أحمد بن محمود السيواسي
45
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
أقرب ( مِنْ هذا ) أي من بناء أهل الكهف وغيره ( رَشَداً ) [ 24 ] أي خيرا ومنفعة ، فاللام في « لِأَقْرَبَ » بمعنى « إلى » . [ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 25 إلى 26 ] وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً ( 25 ) قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً ( 26 ) قوله ( وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ) الآية بيان لما أجمله في قوله « فضربنا عليهم في الكهف سنين عددا » ، أي ولبثوا أحياء نياما في كهفهم ( ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ ) قيل : « سِنِينَ » بدل من « ثَلاثَ » أو من « مِائَةٍ » بمعنى مئين أو عطف بيان لا تمييز وإلا لكان أقل مدة لبثهم عند الخليل ستمائة سنة ، لأن أقل الجمع عنده اثنان وعند غيره تسعمائة « 1 » ، لأن أقله ثلاثة عندهم هذا على قراءة « مائة » بالتنوين « 2 » ، وأما على قراءة الإضافة فأقيم الجمع مقام المفرد ، لأن حق المائة أن يضاف إلى المفرد ، ووجه ذلك : أن المفرد في ثلاثمائة درهم في المعنى جمع ، فحسن إضافته إلى لفظ الجمع كما في « الأخسرين أَعْمالًا » « 3 » ، فإنه ميز بالجمع وحقه المفرد نظرا إلى مميزه ، قوله ( وَازْدَادُوا تِسْعاً ) [ 25 ] أي تسع سنين إشارة إلى أن ذلك الحساب على اعتقاد أهل الكتاب شمسي ، وأما عند العرب فهو قمري ، القمري يزيد على الشمسي تسعا ، ولذلك قال « وَازْدَادُوا تِسْعاً » وهو مفعول « ازْدَادُوا » . روي : أن نصارى نجران قالوا أما الثلاث مائة فقد عرفنا وأما التسع فلا علم لنا بها فنزل « 4 » ( قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا ) أي قل هو أعلم بمدة لبثهم ، لأن علم الخفيات مختص به تعالى ، ولذلك قال ( لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) بتقديم « لَهُ » ، أي للّه العلم بما خفي « 5 » فيهما عليه غيره تعالى من أحوال أهلهما وغيرها ( أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ ) الضمير في « بِهِ » للّه ، محله رفع لكونه فاعلا لفعل التعجب ، والباء زائدة والهمزة في الفعلين للصيرورة ، أصله : أبصر اللّه وأسمع ، غير من لفظ الخبر إلى لفظ الأمر وليس بأمر ، إذ لا معنى للأمر هنا ومعناه : ما أبصر اللّه وما أسمعه ، وإنما جاء به ليدل على التعجب من إدراكه تعالى بكل مسموع وكل مبصر ، لأنه خارج عن حد ما عليه إدراك كل سامع وكل مبصر ، إذ هو يدرك ألطف الأشياء وأصغرها كما يدرك أكبرها ويدرك البواطن كما يدرك الظواهر ، فلا يغيب عنه شيء ما ( ما لَهُمْ ) أي ليس لأهل السماوات والأرض ( مِنْ دُونِهِ ) أي من غير اللّه ( مِنْ وَلِيٍّ ) أي من متول لأمورهم ( وَلا يُشْرِكُ ) بالياء ، أي اللّه ( فِي حُكْمِهِ ) أي في قضائه وعلمه ( أَحَداً ) [ 26 ] منهم ، لأنه غني عنه ، وقرئ بالتاء خطابا مع جزم الكاف نهيا « 6 » للإنسان . [ سورة الكهف ( 18 ) : آية 27 ] وَاتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً ( 27 ) قوله ( وَاتْلُ ما أُوحِيَ ) نزل حين قالوا له عليه السّلام : ائت من السماء بقرآن غير هذا أو بدله « 7 » ، أي اقرأ الذي أوحي ( إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ ) أي من القرآن واعمل به ولا تطعهم في طلب التبديل ولا تسمع قولهم فيه ( لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ ) أي لا يقدر أحد على تبديلها سواه تعالى ( وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ ) أي من دون عذابه ( مُلْتَحَداً ) [ 27 ] أي ملتجأ تلجأ إليه إن هممت بذلك التبديل فرضا . [ سورة الكهف ( 18 ) : آية 28 ] وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ( 28 ) قوله ( وَاصْبِرْ نَفْسَكَ ) نزل حين طلب رؤساء الكفار طرد فقراء المسلمين من مجلسه كصهيب وعمار وخباب وغيرهم وقالوا : اطردهم حتى نجالسك ، فان أسلمنا أسلم الناس وما يمنعنا من إتباعك إلا هؤلاء ،
--> ( 1 ) ولم أجد له مرجعا في المصادر التي راجعتها . ( 2 ) « ثلاثمائة سنين » : قرأ الأخوان وخلف بحذف تنوين « مائة » ، والباقون باثباته . البدور الزاهرة ، 191 . ( 3 ) الكهف ( 18 ) ، 103 . ( 4 ) عن الكلبي ، انظر البغوي ، 3 / 561 - 562 . ( 5 ) خفي ، ح و : أخفى ، ي . ( 6 ) « ولا يشرك » : قرأ الشامي بتاء الخطاب وجزم الكاف على أن لا ناهية ، والباقون بياء الغيبة ورفع الكاف علي أنها نافية . البدور الزاهرة ، 191 . ( 7 ) نقله المفسر عن الكشاف ، 3 / 205 .